ترصد دانيا أبو الحاج ملامح التحول القاسي في القدس، حيث لم تعد المدينة كما عرفها أهلها، بل أصبحت فضاءً مثقلًا بالخوف والرقابة العسكرية. وتستحضر الكاتبة مشهدًا شخصيًا قرب باب العامود، حين وجدت نفسها محاصرة مع صديقتها بعشرات من عناصر الشرطة الإسرائيلية المدججين بالسلاح، في لحظة تختصر واقعًا جديدًا تفرضه القوة على تفاصيل الحياة اليومية.
ينقل موقع ميدل إيست آي هذه الشهادة ضمن سياق أوسع من التصعيد المرتبط بالحرب على إيران، وما تبعه من تشديد أمني طال المسجد الأقصى وسائر معالم المدينة، تحت ذرائع أمنية تعكس واقعًا أكثر تعقيدًا وقسوة.
مدينة تُفرغ من روحها
تصف الكاتبة كيف بدت البلدة القديمة خلال أواخر رمضان شبه خالية، على عكس ما اعتادته من تدفق المصلين والحياة الروحية. تحوّلت القدس من مدينة تعبق بالعبادة إلى مساحة عسكرية مغلقة، حيث تهيمن الحواجز والأسلحة على المشهد.
تستعيد الذاكرة مشاهد قبل سنوات، حين خرج المقدسيون بأعداد كبيرة رفضًا لإجراءات إسرائيلية في المسجد الأقصى. أما اليوم، فيواجه أي تحرك مشابه برد عسكري قاسٍ، ما يعكس تغيرًا جذريًا في ميزان القوة داخل المدينة.
ترصد الكاتبة أيضًا ممارسات يومية باتت مألوفة، مثل توقيف الشبان الفلسطينيين بشكل عشوائي وإخضاعهم لتفتيش مهين، في سلوك يعمّق الإحساس بالإذلال ويكرّس واقع السيطرة.
تضييق متصاعد على المقدسات
تربط الكاتبة بين الحرب الإقليمية الجارية وبين تشديد الإجراءات داخل القدس، معتبرة أن إسرائيل تستغل الظرف لتوسيع نفوذها على الأماكن الدينية. وتظهر هذه السياسة بوضوح في القيود المفروضة على دخول المسجد الأقصى، حيث أغلقت معظم الأبواب وحددت مسارات ضيقة عبر حواجز معدنية، مع حضور أمني مكثف.
تتجاوز الإجراءات القدس لتشمل مواقع أخرى، مثل نقل صلاحيات إدارية في الحرم الإبراهيمي إلى جهات إسرائيلية، ما يعكس نمطًا أوسع من إعادة تشكيل السيطرة على الفضاء الديني.
تنعكس هذه التطورات على المزاج العام، حيث يسود شعور بانعدام الأفق. يتحدث السكان عن مستقبل غامض، بينما تتراكم الضغوط اليومية من حواجز وإجراءات تعيق أبسط تفاصيل الحياة، وتحوّل التنقل إلى تجربة مرهقة ومهينة.
حياة تحت القمع المستمر
تكشف الكاتبة عن بُعد نفسي عميق للحياة تحت الاحتلال، حيث يتكيّف الأفراد مع مستويات متفاوتة من القمع ويعيدون تعريف ما يعتبرونه “طبيعيًا”. ينشأ شعور زائف بالامتياز لدى بعض الفلسطينيين نتيجة اختلاف ظروفهم الجغرافية، بينما يبقى القمع حاضرًا بأشكال متعددة.
ترى الكاتبة أن استمرار هذا الواقع يرتبط بغياب المساءلة الدولية، حيث شجّع الإفلات من العقاب على تكريس سياسات تتجاهل القانون الدولي. وتؤكد أن الاكتفاء بالإدانات اللفظية لم يعد كافيًا، بل يتطلب الوضع خطوات عملية أكثر حزمًا على الصعيدين الاقتصادي والدبلوماسي.
تستحضر في ختام النص أجواء رواية 1984 للكاتب 1984، لتقارن بين الشعور الدائم بالاختناق والحرمان من حياة طبيعية، وبين ما يعيشه الفلسطيني يوميًا. وتعبّر عن عجز اللغة نفسها عن نقل التجربة كاملة، حيث يظل الإحساس بالظلم متجذرًا في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة.
تختزل هذه الشهادة واقعًا مركبًا: مدينة تُسلب تدريجيًا من روحها، وسكان يعيشون بين التكيف والمقاومة، وعالم يتردد في اتخاذ موقف حاسم.
https://www.middleeasteye.net/opinion/israel-worship-jerusalem-overshadowed-oppression-fear

